الخميس، 29 أبريل، 2010

المنهج التفكيكي

المهنج التفكيكي السسيولوجي في النقد الأدبي الحديث

بسم الله الرحمن الرحيم



تحية طيبة للجميع .. و بعد
أحببت في ليلتي هذه أن أقدم تعريفا و توضيحا لمفهوم شاع بين النقاد المعاصرين ، و كان من أسباب دوافعي لمثل هذا الفكر أشياء عدة ، منها : تعلقي الذاتي بهذا المنهج النقدي ، و منها رغبتي الأكيدة في التفاعل مع الآخرين – إذ اعتبره كمقدمة لكل تحليل قد أقوم به فيما يأتيني من زمان – لأي صاحب نص مبدع .. و منها حيثيات أخرى استهوتني مذ كنت دارسا لعلوم اللغة العربية و علوم القرآن الكريم ، فلقد كانت بينها خيوطا تجمعها لتؤلف جدائلا من حبال متينة ، يدركها كل باحث متخصص في هذه العلوم و الميادين ، ألا أنها ظلت على رغم وجودها في تراثنا الضخم مفككة مبعثرة ، لم تلق من يغزلها بفكره و يصوغها ( غدائر ا مشتسزرات إلى العلا ) .
و هذه العبقرية ربما تجلت أكثر ما تجلت في : الناقد الفذ عبد القاهر الجرجاني – و كتبه مشهورة لدى المتخصصين – و الباقلاني ، و غيرهما ممن التفتوا إلى نتف من هنا و هناك . و لكنهم جميعا لم ينسجوها كوحدة واحدة تأتلف فيما بينها لتظهر لنا بصورة منهجية ، حتى جاء الفرنسي دي سوسير الذي طرح دراسة لغوية عميقة تقوم على تفسير منهجي متخصص .
لماذا أقول كل هذا ؟
أقوله لكم لاني أعلم أن هناك جانيان يسيطران على عقل و روح المبدع في عالم اللغة ، جانب فكري يختطه و يرسمه لنفسه في فكره و روحه و منهجه ، و جانب انفعالي ، فني ، يقوم على بلورة هذه الثقافة الفكرية بصورة فنية راقية ، فهو كالفيلسوف الذي يضع الحقائق أما أعين الآخرين و لكنه يقدمها بشكل جمالي .. و هنا يظهر لنا الفرق بين الأديب الفنان و الفيلسوف المفكر ، كما يظهر لنا الفرق بين ألأديب الفنان الأصيل ، الممنهج ، و المتمرس بقضاياه و قضايا من حوله ، من الأديب الذي يقول كلامه سردا و شعره نظما ..
و لهذا كله أحببت أن أقدم لكم فحوى هذه الدراسة ، و لم أكن أعتقد أنها ستنتهي بنهاية كتابتي لهذه السطور ، ذلك أن الأمر متعلق بكم سادتي .. فهي من التشعب و الاسترسال الأخاذ الجميل ما يدعوني لكتابة مؤلف ضخم عنها ... و حسبي أن سوف أقدم لكم أولى حلقات هذه الدراسة :
أما بعد البعد :
فلعل المتتبع لمناهج النقد الحديث يدرك أن لكل منهج رؤية و طريقة ، و لكل مدرسة من مناهج البحث أصول و دوافع ، و الثقافة الأمريكية لا تحتاج بالضرورة إلى منهجيات ( التأثير ) الفرنسية التي تلجأ عادة إلى المقارنة بين ثقافتين أو بين لغتين أو أكثر ، الأخيرة تنطلق من وعي فرنسي خاص بالثقافة الفرنسية أخذة عن غيرها أو مؤثرة فيها . فالدولة قائمة فيها و كذلك الأمة ، كما أن انتشارها الإمبراطوري أوهمها بأن الأقطاب تأخذ عن المركز أولا و هي لا تعطي إلا القليل . أما الثقافة الأمريكية فهي خليط متمازج ، متداخل . ابتداؤها هجر و مآلها ذوبان ، و كل ما فيها ينتعش بهذا الامتزاج حتى عندما يبرر الاختلاف في هذا الخليط . من هنا تتأكد مفهومات جديدة للدراسات الحضارية ، قد تبتدئ بقراءة النصوص ، قراءة دقيقة ، و تنتشر منها ترجمة و تفسيرا و معالجة و تأسيسا في الواقع ، و كل ما عدا ذلك يعتبر طارئ ، حتى عندما يبدو المزاج ألتجاوزي لجماعة ( أمرسن ) أو المجازي عند ( ملفل ) طاغيا و مؤثرا و قويا ... فالتفرد شيء و ما هو قاعدي واسع شيء أخر .
ذلك أن فكرة التأثير و التأثر بمعناها الذي يبحث عن الأصول و المصادر لا تعني للثقافة الأمريكية شيئا ، و هذا يعكس بنيتها الأساس في التكوين الاجتماعي الذي هي عليه ،و أنما هي تتشكل كل يوم بمزيد من المزج و الأخذ و الانصهار و بالتالي الاحتواء ، فكان لزاما على المدرسة الأمريكية رفض الأصول و المصادر في نظرية التأثير و التأثر و أنما يجب أن يكون المهج الأصح هو :التوجه نحو النص ، ثم آليات تناوله و كيفية قراءته ، و هذا يعني أننا سنكوّن أحداث ثلاثي من : النص و المؤلف و القارئ . و هذه الثلاثية هي مدار الاهتمام و ما عدا ذلك فهو جهد لا طائل تحته ، و مضيعة للفكر و الوقت ليس ألا . و إن كان – و الحق يقال أن ( رولان بارت ) قد بزّ الجميع في هذا المفهوم حين وجه جلّ نقده بمنهجه الأدبي الفكري نحو النص و حسب و اعتبره الكائن الذي يجب التعامل معه قبل كل شيء .
و لكن هذا التغيير في الرؤى لم يكن نتيجة تفرد عارض لناقد بعينه ، بكل كانت الضرورة الاجتماعية ، و ما تفرضه من تحول فكري و منهجي في رؤية الأخر ماثلة شاخصة لدى الأمم الأوروبية كافة . فبعد أن كانت الأمم الأوربية تنظر للرجل الأسطورة و الإمبراطورية التي لا تقهر و الرجل النبيل الذي يتفرد بخصائص الشهوات و النبل و المثل العليا ، أصبحت ، تنظر إلى الإنسان كانسان متفرد في ذاته وحيد في كونه ، و لم تعد رسوم القديسين و الأنبياء و الأمراء هي الموضوع المهم في لوحات الرسامين ، بل أصبحت قطعة من حياة ، و شريحة بسيطة من شيء مهمل يعد أمرا عظيما يجب الاحتفاء به ، و هو ما أدى – حقيقة – إلى ظهور البذور الأولى للمذهب الرومانسي الحالم ، و نكران الكلاسيكية القائمة على أسس و قواعد يجب الحفاظ عليها دوما . و هو ما تبع بالتالي للنظر للقارئ على اعتباره فاعلا مهما و أساسا لا بد منه ، في قراءة النص ، فالأدب لا يكون له كيان و لا يأخذ مكانته بدون أن يكون القارئ موجودا – و هنا لفتة أخرى إلى أهمية علو الفكر الثقافي للقارئ كيما يستبين النص و يتفاعل معه – فيصبح كل من النص و القارئ في وحدة واحدة لا تنفصم ، فالقارئ إذن فاعل لا تابع ، و جين نمعن النظر نرى أن مثل هذه الكينونة ستؤدي بنا إلى اتحاد الرؤية لدى القراء ، و لنقل النقاد نحو نص معين ، كما أنها ستكون باعثا لاختلاف وجهات النظر فيما بينهم ، كما أنها ستتيح لنا الحديث عن مجتمعات تأويلية لها ما يجمعها ، لأن القارئ حين يقرأ النص ، فهو أولا يعتبره نصا متميزا لا بد من تجهيز أدواته له و معارفه و حيثياته الفكرية و الخيالية ، و هو ما سيتيح له المشاركة مع الآخرين في تذوقه و تأويله ..
و أعود بعد هذا كله لأؤكد ان هذا التغير الفعلي في المفهوم الغربي لفكرة التناص و التأثير و التأثر لا يتأكد بدون وضع المصطلحات في سياقات أخرى تخص الانتباه – و للدكتور عبد السلام المسدّي كتاب جميل في هذا الموضع الاصطلاحي – لأن فكرة العلاقات التأثيرية داخل سياقات النص لم تعد تأتي على أساس مصطلحات و آليات تمثيلية تعرض للفاعلية مباشرة و تحيل النص إليه مباشرة ، و إنما تأتي عن طريق ( علاماتية ) لان المدلول الشعري ، و المخزون الثقافي له ، يحيل إلى مدلولات أخرى استر سالية ، أو سردية ، تجعل العديد من التراثيات مقرؤة داخل النص الشعري أو الأدبي بشكل عام ، و بهذه الطريقة يمكن خلق فضاء نصي متعدد العناصر – في حدود النص الشعري الواحد فقط – و هو يعني نوعا من أنواع التناص غير المباشر ..
و هذا التكوين النقدي ( الموزائيكي ) للنص نجده واضحا تمام الوضوح لدى ( رولان بارت ) و لكن الفكرة لديه لم تأخذ الحيز الكبير الذي استطرد فيه الباحثون فيما بعد ..
و من هنا نلحظ أنه يجب علينا التفريق بين نوعين من أنواع التناص : التناص المباشر الظاهر .. و هو ظاهرة كان قد المح اليها النقاد العرب الأوائل ، و تناص أخر هو التناص التكويني الذي ارتقى بفكرة النقد الأدبي في العصر الحديث ...

هذا ما سمحت به مصادر القوة لدي في هذه الليلة للحديث عن هذا الموضوع فأرجو منكم المعذرة ، إذ اأعلم انه لم يستوف حقه مني بعد ، فلي عودة أخرى إن شاء الله تعالى و دمتم لي بكل ود و محبة و خير
نبيل الرفاعي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق